حيدر حب الله
30
شمول الشريعة
سوف تخلو بعض الوقائع من حكم ، وهي الوقائع التي في موردها إباحة غير اقتضائيّة ، وإنّما ما دفع إليها هو عدم وجود اقتضاء لأيّ حكمٍ آخر ، لا وجود اقتضاء لوجودها « 1 » . لكنّ هذه الطريقة التي طرحها لاريجاني في مقاربة ( الحكم ) في نصّ قاعدة نفي الخلوّ ، قد تضعنا أمام إشكاليّة ، أو بالأحرى : إنّ لاريجاني يقارب الموضوع من زاوية محدّدة لا من الزاوية الأصل التي نهدفها هنا ، وذلك أنّ لاريجاني يحاول تفكيك المفردة ( حكم ) الواردة في متن ( ما من واقعة إلا ولها حكم ) ، في حين لا نريد فهم قضيّة الشمول التشريعي في ضوء ذلك فقط ، بل في ضوء مفهومٍ أسبق أكثر أهميّة من هذا ، وهو مفهوم : هل قرّر الشارع الأقدس تنظيم كلّ الحياة بحيث أصدر أحكاماً كافية لهذا التنظيم أو لا ؟ إنّ هذا هو السؤال المركزي الذي نريده اليوم من وراء قاعدة نفي الخلوّ ؛ لأنّ الذي يطرح هذه القاعدة يرى أنّ الله سبحانه وتعالى قد وضع الأنظمة الكافية لإدارة الحياة والوصول بالإنسان في هذه الدنيا إلى مراحل كماله الدنيوي والأخروي معاً ، ومن ثمّ فإذا تركت الشريعة منطقة المباحات واعتبرنا هذه المنطقة منطقةً غير متصلة بجعل الأحكام ، فإنّ هذا يعني أنّ الشارع رأى أنّه لا ضرورة لجعل حكمٍ هنا أصلًا ، ومن ثمّ فلا حاجة موضوعيةً لسنّ أيّة قوانين في هذه الدائرة ، ومن ثمّ لا توجد مرجعيّة قانونيّة أخرى في هذا الصدد ، وإلا لو فرضنا أنّ البشر احتاجوا إلى سنّ قوانين في دائرة المباحات التي هي خارج نطاق التشريع ، فهذا يعني أنّ الشريعة لم تقدّم برنامجاً كافياً وشاملًا ، فلو قلنا بخلوّ المباحات من التشريع فهذا لا يعني أنّنا بتنا نؤمن بأنّ الشريعة لا تهدف تغطية وقائع الحياة بالضرورة ، بل هذا يجتمع مع القول بالتغطية انطلاقاً من أنّ الحياة لم تحتج في تغطيتها إلا إلى وضع الأحكام الأربعة الأخرى أو الأحكام الإلزاميّة ، وهذا كافٍ في نفي أيّة مرجعية قانونية أخرى أو هو كافٍ في نفي الحاجة لجعل قوانين اخَر . إنّ هذا هو السؤال الكلامي المركزي الذي يهمّنا من وراء قاعدة نفي الخلوّ وما تتصل به من قضيّة التوحيد التشريعي ونفي وجود مشرّع آخر في تنظيم حياة البشر الفرديّة والجماعيّة ( نفي العلمنة ) ، وهذا المستوى من مقاربة الموضوع لا فرق فيه بأن تكون الإباحة جعلًا لحكمٍ أو
--> ( 1 ) انظر : صادق لاريجاني ، قاعدة نفي الخلوّ ، مجلّة بجوهشهاي أصولي ، العدد 7 : 163 .